مؤلف هذا الكتاب هو الباحث جاك دوندوت أحد كبار المختصين الفرنسيين في فكر هيغل والفلسفة الألمانية. وهو يقدم هنا مدخلا ممتازا إلى فلسفة هذا المفكر، الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس منذ قرنين ولا يزال. فالفكر الحديث كله ناتج عن هيغل بشكل من الأشكال، كما قال موريس ميرلو بونتي، صديق سارتر. وقد استطاع هذا الفيلسوف العبقري أن يشكل نظاما فلسفيا متكاملا، حيث درس فيه الدين والأخلاق والسياسة والدولة والمجتمع.. إلخ. لم يترك شيئا إلا وتحدث عنه، وربما كان آخر فيلسوف شمولي في التاريخ.
إنه أرسطو العصور الحديثة، فكما أن المعلم الأول تحدث عن الفيزيقا والميتافيزيقا، والمنطق والبلاغة والشعر والسياسة والأخلاق والدين.. إلخ، فإن هيغل فعل الشيء ذاته في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولذلك اعتبره البعض ذروة الفلسفة المثالية الألمانية التي كانت تضم أيضا كانط، وفيخته، وشيلنغ، وآخرين. ثم يقول المؤلف: لقد تأثر هيغل بكانط من دون شك، لأن كانط كان أستاذا لكل مثقفي ألمانيا في ذلك الزمان، ولكنه حاول أن يتجاوز أستاذه، وقد تجاوزه في أشياء عديدة. من هنا عظمة هيغل. ذلك أنه من النادر أن يظهر فيلسوفان كبيران في الفترة نفسها. فهيغل كان معاصرا لكانط وإن كان أصغر سنا منه بكثير.
وأما الأحداث الأساسية التي أثرت في فكر هيغل وفلسفته في التاريخ فهي الثورة الفرنسية التي اندلعت وكان عمره تسعة عشر عاما، ثم شخصية البطل نابليون بونابرت، الذي غزا ألمانيا ورآه لأول مرة على حصان، حيث تجسدت روح التاريخ كلها في شخصه، ثم الثورة الصناعية الإنجليزية التي غيرت وجه العالم.
يقول المؤلف عن حياة هيغل ما معناه: لقد ولد هيغل في 27 أغسطس من عام 1770 لعائلة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة، لأن والده كان موظفا في الدولة. وبعد أن أنهى دراسته الثانوية في مدينته الأصلية شتوتغارت، دخل كلية اللاهوت الشهيرة في مدينة توبنغين.
وهناك درس التاريخ، وفقه اللغة الألمانية والرياضيات بصحبة صديقه هولدرلين، الذي سيصبح شاعرا كبيرا فيما بعد. وقد نشأت بينهما صداقة حميمة وعميقة. وهناك قرأ كتب جان جاك روسو، وكانط، على ضوء أحداث الثورة الفرنسية.
ثم التحق به شاب آخر أصبح فيلسوفا كبيرا بعد ذلك أيضا، هو شيلنغ. وقد حصل تنافس بينهما أدى إلى نوع من الخصومة وسوء التفاهم. وفي عام 1790 نال هيغل شهادة التبريز في الفلسفة. وبعدئذ أصبح مربي أطفال لدى عائلة غنية في مدينة بيرن بسويسرا. وقد بقي هناك حتى عام 1796.
وفي عام 1795 ألف أول كتاب له تحت عنوان «حياة يسوع». ثم راح يدرس بشكل منهجي منتظم مؤلفات كانط، وفيخته في مدينة فرانكفورت بين عامي (1797 - 1800). ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1801 انتقل إلى مدينة «يينا» التي تحتوي على جامعة مهمة، حيث إن شيلنغ حل محل فيخته كأستاذ جامعي. وهناك انخرط في الكتابة والبحث والمناقشات الفلسفية لأقصى حد ممكن. ثم أصبح أستاذا مساعدا في الجامعة نفسها. ولكن راتبه كان ضعيفا جدا.
وفي عام 1807 أنهى هيغل تأليف كتابه الشهير «فينومينولوجيا الروح»، (أو علم تجليات الفكر والروح عبر التاريخ). ثم أصبح رئيس تحرير إحدى الجرائد الألمانية، ولكنهم طردوه من هذا المنصب بعد سنة واحدة لأسباب سياسية. فقد كانت أفكاره ثورية أو تقدمية أكثر من اللازم. ثم ألف كتابا مدرسيا في عدة أجزاء بين عامي (1812 -1816) تحت عنوان «علم المنطق».
وقد تزوج هيغل عام 1811، وولد له طفلان: الأول أصبح أستاذ تاريخ، والثاني أصبح قسا بروتستانتيا.. ثم نال هيغل منصبا جامعيا مهما في جامعة هايدلبرغ عام 1816. وفي عام 1817 نشر كتابه «موسوعة العلوم الفلسفية». وعندما مات فيخته الذي كان يحتل كرسي الفلسفة في جامعة برلين، حل هيغل محله عام 1818. وكان ذلك أكبر منصب يمكن أن يحلم به فيلسوف في ذلك الزمان، أن يصبح أستاذ الفلسفة في جامعة برلين. وعندئذ ازدادت شهرته وأصبحت عالمية تقريبا. ولكن البعض أخذوا عليه موقفه السياسي المحافظ، واعتبروه بمثابة المفكر الرسمي للنظام الملكي البروسي.
وهكذا هاجمه التقدميون أو الليبراليون. ولكن بعد فترة من الزمن راح النظام نفسه يشتبه به. وعندئذ أصبح يتلقى الضربات من كلا الطرفين. وفي عام 1821 نشر هيغل كتابه «مبادئ فلسفة القانون». وفي عام 1827 سافر إلى منطقة فايمار، حيث استقبله غوته، ثم سافر بعدئذ إلى باريس، حيث رحب به فيكتور كوزان، أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون، وبعض المثقفين الفرنسيين الآخرين. ومات هيغل بمرض الكوليرا عام 1831، وعمره واحد وستون عاماً فقط. وبالتالي فإن كتبه عن الجماليات، وفلسفة الدين، وفلسفة التاريخ، لم تنشر إلا بعد موته.
ويرى المؤلف أن تلخيص فلسفة ضخمة كفلسفة هيغل أمر صعب جدا. فالمرء يخشى أن يشوه فكره إذا ما بسطه أكثر من اللزوم. كان هيغل يرى أن ما يتحقق في التاريخ عبر الصراعات الدامية والأهواء البشرية المتعارضة والهائجة هو الفكر أو الروح: أي العقلانية العميقة. فالتاريخ عقلاني، على الرغم من إنه يبدو لنا فوضويا، مليئا بالحروب والظلم والقهر والتناقضات. وذلك لأن العقل هو الذي يحكم العالم والتاريخ، بحسب النظرة المتفائلة لهيغل. فالتاريخ كان عقلانيا، وسيبقى، على الرغم من كل المظاهر الخادعة التي تقول العكس. والتاريخ لا يمكن أن يفهمه إلا عقل الفيلسوف.
كان هيغل يقول بالحرف الواحد: ينبغي أن ننظر إلى التاريخ بعين العقل، القادرة وحدها على اختراق السطح المبرقش للأحداث اليومية.
فالتاريخ، طبقا لتصورات هيغل، يسير في اتجاه هدف معين يدعوه فلسفيا بالفكرة العليا، أو الروح المطلقة: أي الوعي بالذات، هذا الوعي الذي يجعل الإنسان حرا. فالتاريخ يمشي في اتجاه المزيد من العقلانية، وا

































